خاصية البلل في الصخور المكمنية: القياس وتوزيع السوائل

تصف خاصية البلل (Wettability) ميل أحد الأطوار المائعة إلى ملامسة سطح صلب بصورة تفضيلية عند وجود طور آخر غير ممتزج معه. وفي الصخور المكمنية، تؤثر هذه الخاصية في توزيع النفط والماء والغاز داخل المسام، وترتبط بسلوك الضغط الشعري والنفاذية النسبية وكفاءة إزاحة النفط أثناء الإنتاج.

يركز هذا المقال على طرق تقييم خاصية البلل، وتفسير زاوية التلامس، وتوزيع الأطوار داخل المسام. وللاطلاع على عرض تمهيدي للمفهوم وأهم تطبيقاته، يمكن الرجوع إلى محاضرة خاصية البلل في صخور مكمن النفط.

رسم يوضح تفاعل قطرة سائل مع سطح صلب في دراسة خاصية البلل

يوضح الرسم كيف يعكس شكل القطرة تفاعل السائل مع السطح الذي يلامسه.

أنواع خاصية البلل في الصخور المكمنية

تُوصف الصخور المكمنية وفق تفضيل سطحها لأحد الأطوار الملامسة له. ومن الحالات الشائعة:

  • البلل المائي (Water-wet): يكون الماء هو الطور المفضّل لملامسة سطح الصخر.
  • البلل النفطي (Oil-wet): يكون النفط هو الطور المفضّل لملامسة سطح الصخر.
  • البلل المتوسط (Intermediate-wet): لا يظهر النظام تفضيلًا قويًا لأحد الطورين ضمن شروط القياس المعتمدة.
  • البلل المختلط (Mixed-wet): تختلف طبيعة البلل بين أجزاء من سطح الصخر أو شبكة المسام؛ فقد تكون بعض الأسطح محبة للماء وأخرى محبة للنفط.

ومن المهم عدم الخلط بين البلل المتوسط والبلل المختلط؛ فالأول يصف درجة التفضيل بين الأطوار، بينما يصف الثاني اختلاف حالة البلل مكانيًا. كما أن تقسيم حالات البلل إلى فئات رقمية يعتمد على اصطلاح القياس وطريقة الاختبار المستخدمة.

كيف تتوزع السوائل داخل المسام؟

عندما يكون الصخر محبًا للماء في نظام ماء–نفط، يميل الماء إلى ملامسة الأسطح الصخرية واحتلال مناطق منها، بينما قد يشغل النفط أجزاء أخرى من شبكة المسام. ويتغير التوزيع تبعًا لحالة البلل، وأحجام المسام وأعناقها، والتشبع، والخصائص البينية للسوائل.

لا يعني ذلك أن الماء يشغل دائمًا جميع المسام الصغيرة أو أن النفط يوجد دائمًا في المسام الكبيرة؛ فالتوزيع الفعلي يعتمد على البنية المسامية وتاريخ الإزاحة وظروف المكمن.

مخطط يبين توزيع السائل المبلل والسائل غير المبلل داخل المسام الصخرية

مثال توضيحي لاختلاف توزيع الطورين المبلل وغير المبلل في المسام.

يرتبط توزيع السوائل بمفهوم تشبع السوائل في الصخور المكمنية؛ إذ يحدد التشبع نسبة حجم المسام التي يشغلها كل طور، بينما تساعد خاصية البلل على تفسير كيفية تموضع الأطوار وتفاعلها مع الأسطح الصخرية.

وتجدر الإشارة إلى أن الماء يكون الطور المبلل في كثير من أنظمة ماء–نفط وماء–غاز، لكن ذلك ليس قاعدة مطلقة لكل الصخور والمكامن. فقد تميل بعض المكامن، ومنها بعض المكامن الكربوناتية، إلى البلل النفطي بسبب التفاعلات الكيميائية وامتزاز مكونات قطبية من النفط على السطح. ولا يكفي نوع الصخر وحده لتحديد حالة البلل.

العوامل المؤثرة في خاصية البلل

تتأثر خاصية البلل بمجموعة من العوامل التي تحدد التفاعل بين سطح الصخر والأطوار المائعة، ومن أبرزها:

  1. التركيب الكيميائي للنفط: قد تؤثر المركبات القطبية والمواد النشطة سطحيًا في ألفة النفط لسطح الصخر.
  2. التركيب المعدني للصخر: تختلف كيمياء أسطح المعادن وقدرتها على التفاعل مع الماء والنفط. وترتبط هذه المسألة أيضًا ببنية المسام وخصائصها، ومنها مسامية الصخور.
  3. تركيب المحلول الملحي ودرجة الحموضة (pH): يمكن لتركيز الأملاح ونوع الأيونات ودرجة الحموضة أن يغير تفاعلات السطح.
  4. الضغط ودرجة الحرارة: قد تؤثر ظروف المكمن في خصائص الموائع والتفاعلات البينية، بحسب النظام المدروس.
  5. سمك الغشاء المائي الفطري: يمكن للغشاء المائي المحيط بحبيبات الصخر أن يؤثر في تماس النفط مع السطح.
  6. مدة التلامس وتاريخ الصخر: قد يؤدي تعرض السطح للنفط مدة طويلة إلى امتزاز مركبات وتغير حالة البلل.

يمكن أن تسهم المركبات القطبية الموجودة في النفط الخام في تغيير خصائص سطح الصخر نتيجة امتزازها بمرور الزمن الجيولوجي. ومع ذلك، يعتمد حدوث هذا التغير ومداه على تركيب النفط، والسطح المعدني، وتركيب الماء المالح، وظروف المكمن؛ لذلك لا ينبغي تعميم حالة واحدة على جميع المكامن.

طرق قياس خاصية البلل

تُستخدم عدة طرق لتقييم خاصية البلل في المختبر، ويعتمد اختيار الطريقة على نوع العينة والطورين المدروسين والهدف من الاختبار. ومن الطرق الشائعة:

  • قياس زاوية التلامس (Contact Angle).
  • اختبارات التشرب التلقائي، ومنها اختبار أموت (Amott Test).
  • مؤشر مكتب المناجم الأمريكي للبلل (United States Bureau of Mines Wettability Index – USBM Method).
  • الاستدلال غير المباشر على حالة البلل باستخدام منحنيات الضغط الشعري وبيانات ضغط الإزاحة، ضمن شروط اختبار محددة.

تختلف هذه الطرق في طبيعة النتائج التي تقدمها؛ فبعضها يقيس زاوية التلامس مباشرة على سطح مناسب، بينما يعتمد بعضها الآخر على سلوك التشرب أو الإزاحة في عينة صخرية. لذلك ينبغي تفسير النتائج وفق طريقة القياس وظروف التحضير والاختبار، لا باعتبار أن جميع المؤشرات قابلة للاستبدال المباشر.

قياس زاوية التلامس

تُستخدم زاوية التلامس (Contact Angle) لوصف شكل الحد الفاصل بين الأطوار عند التقاء السائل والسطح الصلب. وتتأثر دلالتها باصطلاح القياس؛ لذلك يجب تحديد الطور الذي تُقاس الزاوية من خلاله قبل تصنيف السطح.

في نظام ماء–نفط عند قياس الزاوية من خلال الطور المائي، تدل الزاوية القريبة من صفر درجة على تفضيل قوي لبلل السطح بالماء، بينما تشير الزاوية القريبة من 90 درجة إلى تفضيل ضعيف أو متعادل وفق الاصطلاح المستخدم، وتشير الزاوية القريبة من 180 درجة إلى تفضيل البلل النفطي. وتختلف حدود التصنيف بين المراجع وطرق القياس.

رسم يوضح اختلاف زوايا التلامس بين السوائل والسطح الصلب

يوضح الشكل الاختلاف في هندسة التلامس بين القطرة والسطح، وهي أساس تفسير زاوية التلامس.

رسم توضيحي لقياس زاوية التلامس عند الحد الفاصل بين الماء والنفط والسطح الصلب

يجب تحديد الطور المرجعي الذي تُقاس الزاوية من خلاله حتى يكون تفسير البلل صحيحًا.

شكل القطرة المستقرة على السطح

يمكن وصف شكل القطرة المستقرة على سطح صلب من خلال هندستها، مثل ارتفاعها وعرضها، كما يمكن استخدام طريقة القطرة الموضوعة على السطح (Sessile Drop) لدراسة زاوية التلامس. لكن نسبة الارتفاع إلى العرض وحدها ليست مقياسًا عامًا كافيًا لتصنيف البلل ما لم تُحدد طريقة القياس ومرجع تفسير النسبة.

مخطط يوضح أبعاد القطرة المستقرة على سطح صلب

يمكن وصف شكل القطرة هندسيًا، مع مراعاة أن تفسيره يتطلب طريقة قياس محددة.

التقدير غير المباشر باستخدام ضغط الإزاحة

يمكن الاستفادة من ضغط الإزاحة أو ضغط العتبة في بعض الطرق شبه الكمية لتقييم البلل. ويشير ضغط العتبة إلى الضغط اللازم لبدء دخول الطور غير المبلل إلى شبكة المسام في ظروف الاختبار. ويرتبط هذا الضغط بخصائص المسام وأعناقها، والتوتر البيني، وزاوية التلامس؛ لذلك لا يكفي قياسه وحده لتحديد حالة البلل من دون معرفة بقية بيانات الاختبار.

طوّر Slobod وBlum طريقة شبه كمية لتقدير قابلية البلل في صخور المكامن، بالاعتماد على حساب زاوية التلامس الظاهرة من ضغوط الإزاحة (Threshold Pressures) المقاسة باستخدام جهاز الطرد المركزي (Centrifuge). وتُجرى القياسات على العينة الصخرية نفسها باستخدام نظام النفط–الماء أولاً، ثم نظام الهواء–النفط. وتعتمد الطريقة على افتراض تشابه مواضع السطوح الفاصلة بين الأطوار داخل الوسط المسامي عند بدء إزالة الطور المبلل. لذلك يجب مراعاة افتراضاتها وظروف تطبيقها عند تفسير النتائج.

للاطلاع على المرجع المنشور عن هذه الطريقة، يمكن مراجعة Method for Determining Wettability of Reservoir Rocks.

رسم يوضح الارتفاع الشعري للماء وانخفاض الزئبق وعلاقتهما بالضغط الشعري

يوضح الرسم اختلاف سلوك السوائل داخل الأنابيب أو المسام نتيجة التفاعلات الشعرية.

تُعرض في الصورتين التاليتين معادلات مرتبطة بمؤشر البلل وزاوية التلامس الظاهرة. وعند استخدامهما في حساب عملي، يجب تعريف الرموز ووحدات القياس بوضوح وفق المرجع الذي أُخذت منه المعادلتان.

المعادلة المصورة لحساب مؤشر البلل

المعادلة المصورة لمؤشر البلل؛ يجب تفسيرها بالاستناد إلى تعريف رموزها وشروط استخدامها.

تُستخدم زاوية التلامس الظاهرة لوصف تفاعل الأطوار عند السطح الصلب، لكن تفسير قيمتها يعتمد على اصطلاح القياس والنموذج المستخدم.

المعادلة المصورة لتعريف زاوية التلامس الظاهرة

المعادلة المصورة المتعلقة بزاوية التلامس الظاهرة.

توزيع الأطوار داخل المسام متعددة الأطوار

تؤثر خاصية البلل في ترتيب الأطوار واتصالها داخل الوسط المسامي. وعند تغير التشبع، قد يتغير شكل وجود الطور المبلل والطور غير المبلل من تجمعات محدودة حول نقاط التلامس بين الحبيبات، إلى مسارات أكثر اتصالًا، ثم إلى تجمعات منفصلة عندما ينخفض تشبع أحد الأطوار إلى مستويات معينة.

يمكن وصف حالات التوزيع بصورة مبسطة باستخدام ثلاثة أنماط:

  • الحالة البندولية (Pendular): يظهر الطور في تجمعات محدودة حول نقاط التلامس بين الحبيبات، مع اتصال قد يكون ضعيفًا.
  • الحالة الخيطية أو المتصلة (Funicular): توجد الأطوار في مسارات مترابطة عبر شبكة المسام، بما يسمح باستمرار اتصالها.
  • الحالة الجزيرية أو المعزولة (Insular): يوجد أحد الأطوار في تجمعات منفصلة عندما تنقطع مساراته المتصلة.

يوضح الجدول التالي توزيعًا نموذجيًا لهذه الحالات. وهو تمثيل مفاهيمي؛ فقد تختلف التفاصيل الفعلية باختلاف هندسة المسام، والتشبع، وخصائص السوائل.

المنطقة حالة الطور المبلل حالة الطور غير المبلل
A بندولية (Pendular) خيطية أو متصلة (Funicular)
B خيطية أو متصلة (Funicular) خيطية أو متصلة (Funicular)
C خيطية أو متصلة (Funicular) جزيرية أو معزولة (Insular)
رسم يوضح الأنماط النموذجية لتوزيع طورين داخل المسام الصخرية

مخطط توضيحي لأنماط اتصال الأطوار وتوزيعها في شبكة المسام.

عندما ينخفض تشبع النفط إلى مستويات منخفضة، قد تنقطع بعض مساراته ويتبقى النفط في تجمعات غير متصلة. وتُعرف كمية النفط التي تبقى بعد عملية الإزاحة بتشبع النفط المتبقي (Residual Oil Saturation, Sor) وفق تعريف وظروف الاختبار المستخدمة. ولا يعني بقاء النفط داخل الصخر بالضرورة أنه يستطيع التحرك إلى البئر والإنتاج.

الأهمية العملية للبلل والنفاذية النسبية

ترتبط خاصية البلل بكيفية توزيع الأطوار واتصالها، بينما تصف النفاذية النسبية قدرة الصخر على تمرير طور معين عند وجود أطوار أخرى معه. وتُستخدم منحنيات النفاذية النسبية مع بيانات التشبع والضغط الشعري وغيرها من خصائص المكمن في نمذجة تدفق السوائل والتنبؤ بسلوك الإنتاج.

لذلك، فإن وجود النفط في المسام لا يكفي وحده للحكم على قابليته للإنتاج؛ إذ يعتمد تحركه على اتصال الطور، وخصائص المسام، والتشبع، والضغط الشعري، وعلاقات النفاذية النسبية.

منحنى يوضح تغير النفاذية النسبية للأطوار مع التشبع

يوضح منحنى النفاذية النسبية تغير قدرة الوسط المسامي على تمرير الأطوار مع تغير التشبع.

وخلاصة الأمر أن خاصية البلل ليست مجرد وصف لانتشار قطرة على سطح؛ بل خاصية تؤثر في التفاعلات بين الصخر والسوائل، وفي توزيع الأطوار داخل المسام، وفي تفسير سلوك الإزاحة والتدفق أثناء الإنتاج. وتكون الاستفادة الهندسية منها أدق عند ربط قياساتها ببيانات التشبع والضغط الشعري والنفاذية النسبية وظروف المكمن.
آخر تحديث للمقال في نوفمبر 2026

تعليقات

الأكثر قراءة

كتاب هندسة النفط والغاز : من المكمن إلى السطح - قريبا بصيغة PDF مجانا

نفط المكامن الكتيمة و السجيل النفطي : تصحيح مفاهيم

متى نستخدم الاستخلاص المعزز EOR؟

لماذا لا توجد إجابة واحدة صحيحة في هندسة النفط والغاز؟

هندسة صناعة القرارات النفطية